المنشورات
 

حقوق المرأة: خطوات عملية في واقع مظلم

 

يرسم واقع الشرق الأوسط صورة حالكة لوضع المرأة: أميّة، تهميش سياسي، عنف جسدي وجنسي، سوء إستغلال للنصوص والتفسيرات الدينية وتهميش إقتصادي (على مستوى الإقتصاد الرسمي، حيث أن المرأة عنصر فعال وجدّ منتج في القطاعات الإقتصادية غير الرسمية)... حسناً، ليس في هذا الوصف أمر جديد. غير أن تطورات السنوات الماضية بما شكّلت من فرص ووعود من خلال ما عُرف بالربيع العربي، وبما فَرضت من أحداث دموية وصعود للتطرف، وتأثيرها المباشر على موضوعات حقوق المرأة، فتحت الباب على جملة تساؤلات بلغت حد التشاؤم واليأس

لربما أمكن إيجاد أمثلة عن قصص نجاح نساء متميزات في تاريخ الشرق الأوسط: ملكات، ممرضات، مطربات، محاميات... غير أن ذلك كان محصوراُ، ولا يزل، بإطار نخبوي لا يعكس واقع حال النساء. فبلوغ أعداد من النساء مراتب علمية متقدّمة لا يعني محو الأمية. ووصول أعداد منهن إلى مراكز إقتصادية ومالية لا يعني غياب التهميش الإقتصادي. وتبوّء أعداد منهن مراكز قضائية وأمنية لا يعني وقف العنف الممارس عليهن. ووصول بعضهن إلى المجالس التشريعية أو التنفيذية لا يعني مشاركتهن بصنع القرار أو القدرة على التأثير عليه. ميدان التحرير في مصر، وغيره من الساحات أكبر دليل على ذلك. صحيح أن الحراك الشعبي في منطقة الشرق الأوسط شكل مساحات تلاقي بين النساء  بإختلاف خلفياتهن الإجتماعية والثقافية والعملية والدينية... لكن ذلك لا يعني ردم الهوة  – على مستويات الأمثلة المذكورة تواً – بينهن ولا يعني توحيد نظرتهن إلى العديد من المواضيع، ولا يعني التغلب على أشكال التمييز والعنف الممارس عليهن. لكن لا بد من الإعتراف بأن هذا الحراك قد ساهم كثيراً في رفع وعي المرأة حول حقوقها، وقدراتها، والآفاق التي يمكن الإستفادة منها لتحقيق الحقوق. ضف إلى هذه العوامل صعود الحركات الأصولية ومقارباتها العدائية لموضوع الحقوق بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص وخاص جداً.

إذاً، هل فشل الربيع العربي في الدفع بحقوق المرأة قدماً؟ هل من المنطقي إعلان الهزيمة بوجه التطرف والحركات الأصولية؟

لا شك أن واقع الحال غير مشجّع، لا بل محبط. نعم، محبط. ولكن، أوليس من غير المنطقي أيضاً توقّع تحقق تغييرات – وليس أي تغييرات، بل تلك المتعلقة بنمطيات السلوك الفردي والجماعي – بين ليلة (لنكن أكثر دقة، بين 4 سنوات) وضحاها.

في فرنسا، لم يُعترف للمرأة بالحق بالمشارك في الإقتراع إلّا عام 1944، أي بعد قرنين ونيّف على الثورة الفرنسية (1789). في الولايات المتحدة الأمريكية، لم يُعترف للمرأة بهذا الحق إلّا سنة 1920 أيضاً بعد حوالي قرنين على ثورة 1774-1783. في بريطانيا شكلت الحربان العالميتان منعطفاً مفصلياً في موضوع تمكين المرأة والإعتراف بحقوقها. فجاء غياب الرجال عن المصانع والمصالح والمهن، "ليعتق" المرأة ويدفع بها إلى ملئ هذه الفراغات. ولكن بالرغم من ذلك، لم يُعترف لها بالحق بالإقتراع إلّا عام 1928، أي بعد عقد على نهاية الحرب العالمية الأولى.

نعم، قد يكون التغيير في العادات والتقاليد الإجتماعية أسهل بكثير من ذاك المرتبط بنصوص دينية وتفسيرات متطرّفة. من هنا ضرورة التشبيك مع رجال الدين نظراً لأهمية دورهم وتأثيرهم على المجتمعات.

فيما يلي تصوّر لبعض أسس خارطة طريق الدفع قدماً نحو تحقيق الإعتراف للمرأة بحقوقها.

أولاً: لا بد من تصحيح المقاربة الفلسفية لموضوع الحقوق، من خلال الكف عن إعتبار المرأة مستوعباً للحقوق، والمعبرعنه بمقولة "إعطاء المرأة حقوقها". فالحقوق، بحسب مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أصيلة وثابتة أي هي من صلب الإنسان، تخلق معه، وتنقضي بموته، دون منّة من أحد.

ثانياً: إيلاء الإهتمام الوافي لدور الدين، السلبي والإيجابي في كافة المواضيع، لاسيما حقوق المرأة. من هنا ضرورة البحث عن رجال دين مؤيدين والتشبيك معهم بهدف نشر التوعية حول مناهضة العنف ضد النساء من الزاوية الدينية.

ثالثاً: العمل مع القضاة مؤيدي ثقافة حقوق الإنسان، فعلاً وقولاً - من خلال أحكامهم وقراراتهم. ففي ظل شلل المؤسسات التشريعية، أو عدم قدرتها على موائمة التشريع مع الواقع – يشكل القضاة المدخل الأوحد لتحقيق العدالة في مقابل جمود النصوص أو "ظلمها". قد تكون أحكام هؤلاء عرضة للاستئناف أو التمييز لكنها تشكل سابقات في رفع مواضيع معينّة من زوايا جديدة، وتسمح للقضاة، بما لهم من صلاحية عدم تطبيق بعض النصوص.

رابعاً: الدعوة إلى إدماج النوع الإجتماعي والتنوع في جميع الأنشطة والمبادرات والبرامج والمشاريع بدأً بالتصميم والتنفيذ وصولاً إلى الرصد والتقييم. إن تفسير النوع الإجتماعي بأنه يعني النساء والفتيات فقط، يعود إلى أن كون المنظمات النسائية قد إستخدمنه ورفعن لواءه لتحقيق حقوقهن. لكن الواقع أن النوع الإجتماعي يغطي الجنسين بكافة الفئات العمرية، والإنتماءات الدينية والطبقية والإجتماعية... من هنا الأهمية المزدوجة لهذه المقاربة: فهي من ناحية تساعد على تحديد الاحتياجات الدقيقة والمستفيدين، وتؤدي إلى خفض التكاليف وسرعة التنفيذ؛ ومن ناحية أخرى لا تقدم حقوق المرأة بشكل خاص (مع ما ينتج من إمكانية ردود فعل سلبية) وإنما في إطار شامل يطال كافة شرائح المجتمع.

خامساً: ضرورة تخفيف التنظير.

سادساً: ضرورة تخفيف التنظير.

سابعاً: ضرورة تخفيف التنظير. فالمطلوب هو البحث عن خطوات عملية لا يتطلب تنفيذها مجهوداً كبيراً أو نفقات كثيرة ،تكون قابلة للتحقيق والقياس، مهما كانت صغيرة أو محصورة، كمثل العمل مع رجال الدين على ضرورة تسجيل الزيجات المعقودة بهدف حماية حقوق الزوجة والأم (نفقة، حضانة، وصاية...)

 

أخيراً، لا بد من مقاربة موضوع حقوق المرأة من باب الواقعية، أعني بذلك تكتيك كسب المعارك، بمقابل إستراتيجية ربح الحرب. فالأخيرة تقضي تغيير كلّي في الطبيعة البشرية وفي التشريعات ذات الصلة. الأمر الأول  حتى الساعة مستحيل، أمّ الثاني فمرتبط بعوامل عدة، إحداها إرتفاع نسبة الوعي العام والتطورّ الإجتماعي. ليس في هذا التصريح أي محاولة لبث الإحباط أو تبرير إستمرار أشكال معيّنة من العنف، إنّما تحديد للتوقعات مرتبط بالقدرات والموارد.

 

 

 
         
القائمة
النشرة الإلكترونية
مواقع التواصل الاجتماعية
         
         

العملاء

 
إشترك في النشرة الإلكترونية



 

جميع الحقوق محفوظة © 2014 - 2015